الأربعاء, أبريل 24, 2019
الرئيسيةكُتبأن الإنسان كائن مركب وأنه ليس شيئاً بسيطاً,من كتاب لغز الموت
كُتب

أن الإنسان كائن مركب وأنه ليس شيئاً بسيطاً,من كتاب لغز الموت

كتشفنا أثناء هذه المرحلة من التفكير والتأمل.. أن الإنسان كائن مركب.. وأنه ليس شيئاً بسيطاً محدداً مثل الكرسي والمائدة والمحبرة وإنما هو حقيقة نامية متطورة تتقرر كل لحظة.. تتقرر من الداخل.. بإرادة خاصة.وإنه يمكن أن يعيش على مستويات عديدة.. يمكن أن يعيش حياة كثيفة غليظة منحطة كحياة النباتات.. كما يحدث أثناء النوم.. فيتضاءل إلى مجموعة وظائف تحدث في آلية وتلقائية بدون وعي..
ويمكن أن يعيش حياة ثرثارة مألوفة مبتذلة .. تقوده أفكار جاهزة و عادات موروثة و تحركه تقاليد قديمة متبعة .. و تصدر أفعاله مضبوطة بمواعيد يحددها له الناس بالساعة و الدقيقة .
و يمكن أن يعيش حياة عميقة يرتد فيها إلى نفسه و ينقاد لأفكاره و رغباته و يحيا في زمنه الخاص و توقيته النفسي الصادر عن إرادته و عاطفته .. و في هذا المستوى تكون حياته أصلية .. و تكون أفعاله مدلولات مباشرة لشخصيته ..
و يمكن أن يبلغ أعمق أعماق وجوده في لحظة الحب .. و لحظة التأمل و لحظة الإبداع .. و لحظة التصوف .. فينفتح شعوره على إحساس بالدوام و الأبدية .. و يتذوق لحظة غريبة لا زمنية .. لا شخصية .. لحظة عميقة .. تذوي كل اللحظات و تنتهي كل الأيام و تنصرم السنين .. و تبقى تلك اللحظة شاخصة في ذاكرته عالقة بوجدانه ..
هذا الشعور يدل على أن الإنسان مفتوح من الداخل على وجود نوع آخر غير الوجود الخارجي الجامد المحدود الزمني الآلي الذي يرسف في الحتمية و القوانين .. وجود حر يتدفق في لا مكان و لا زمان و يصدر عن لا أسباب .. وجود تقويمه فيه .. و أسبابه فيه .. وجود تصدر عنه الإرادة و الشخصية و السلوك و الفعل .. و يبدو العالم الواقعي جزءاً منه و نتاجاً من نتائجه ..
وجود عميق مثل النبع الخفي تضرب فيه جذور الإنسان و أعصابه و تستقى منه وجودها و إحساسها بالحقيقة .. و إحساسها بالاستمرار في دوامة الواقع المتقلب المتغير .. و تستمد منه الشعور بأرض ثابتة وسط هذه الظواهر المفككة التي تبرق و تختفي .. و تستمد منه الثقة بأن هناك أماناً .. و سكينة و طمأنينة ..
وجود أبدي تبدو فيه الحياة الزمنية حقيقة لمجرد أنها مستمدة منه منتمية إليه .
و النفس لائذة على الدوام بهذا الوجود الداخلي .. لاجئة إليه .. من القلق و خراب الأعصاب الذي يحدثه الواقع المادي بتقلباته و تغيراته .
و هذا هو وجود الـ أنا المطلق .. أو الأبدية .. أو الحقيقة أو الروح ..
و لا أقصد الروح بمعنى الشخصة .. فهذا الوجود غير شخصي .. و هو أعمق من أن يكون شخصياً .. و أعمق من أن يكون متعيناً محدداً .
إن الواقع المتعين المقسم إلى حركات و انتقالات في الزمان و المكان .. هو واقع الزمان و المكان .. واقع الظواهر فقط .. أما الوجود الداخلي فهو وجود جوهري لا يقبل القسمة و لا يقبل التعدد .. إنه حقيقة كل هذه الظواهر و ينبوعها .. و هو منبع الشخصية و لكنه أبداً ليس الشخصية .
و الحقيقة بسيطة وواحدة و كل ما نشاهده حولنا من تعدد و تباين و اختلاف غير حقيقي و ظاهري و مؤقت .. بدليل أنه يمت إلى بعضه .. و ينتمي إلى بعضه .. و يخفي تحت تعدده الظاهر وحدة أصلية ينبع منها ..
و قد اكتشفنا أثناء هذه الرحلة الفكرية أن كل المخلوقات هي مجرد تصانيف و تواليف مختلفة من مادة واحدة هي البروتوبلازم ووحدات دقيقة متراصة هي الخلايا .. كلها تصانيف و تواليف من (س) .. و س هذه أشبه بالمادة عند ماركس و الهيولا عند أرسطو .. إنها الخامة الأولية التي بنيت منها الدنيا .
و حتى صنوف المادة الميتة هي الأخرى تواليف مختلفة من مفردات بسيطة هي الإلكترونات و البروتونات و هي شحنات سالبة و موجبة من الطاقة .. مرة تبدو هذه الطاقة في شكل حرارة .. و مرة في شكل ضوء .. و مرة في شكل كهرباء .. و مرة في شكل مجال مغناطيسي .. و مرة في شكل حركة .. و مرة في شكل حياة .
و العناصر المختلفة من رصاص وصوديوم وحديد ونحاس وكبريت ما هي إلا تواليف مختلفة من هذه الإلكترونات والبروتونات .. وفي الإمكان تحويل عنصر إلى آخر بتغيير توليفته الذرية .
إن كل التباين والمفارقة والاختلاف بين الموجودات هو اختلاف هو اختلاف شكلي ظاهري قابل للاختزال في النهاية إلى أصل بسيط واحد مشترك .
إن في باطن هذا الكون حقيقة واحدة بسيطة .. جوهراً واحداً .. جذراً نبت منه كل فرع من فروع هذه الشجرة .. وكل فرع حقيقي بقدر ما يفصح عن أصله .. وبقدر ما يحمل طابع وراثته في خلاياه وأزهاره .
حتى الكواكب والنجوم والشهب والمذنبات ما هي إلا تصانيف مختلفة من المادة نشأت من سحب من الذرات والغبار كانت سابحة في الفضاء .
الوجود منتجات لا نهائية .. وصور لا نهائية من أصل واحد وحقيقة واحدة بسيطة أزلية محتواها غنى لا نهائي .. يتخلق في قوالب لا حصر لها .. وتعدد المخلوقات والموجودات هو الدال على هذا الثراء والغنى اللانهائي .
والتعدد هو تعدد في الواقع وفي الظاهر وفي العالم المرئي .. لكن الخامة الأصلية واحدة .. بسيطة.. وإنما الأشخاص هم الذين يتعددون.. كل شخص هو بذاته توليفة فريدة من هذه الخامة الواحدة .. ولكنه فان في النهاية ..
وكل متعين فان..
وكل موجود في الزمان والمكان فان ..
كل شكل وكل ترتيب ينهدم كما تنهدم عمارة مبنية من الطوب والجير والأسمنت .. لكن يبقى المشروع .. يبقى الرسم الهندسي والتصميم الأصلي الذي أقيمت العمارة على وفاقه.. وهو ((الصورة)) عند أرسطو .. والروح عندنا .. الـ أنا المطلق في الفلسفة .
وهذا الرسم الهندسي والتصميم الأصلي من إبداع الخالق ومن روحه ونفحة منه ولهذا لا يموت.
وهذه الروح.. وهذا الـ أنا المطلق .. الذي ليس شخصاً بالذات .. ولا نفساً بعينها .. هو الذي يهمس في داخلنا بدهشة حينما يرى الموت .. ولا يصدقه .. ولا يعبأ به .. لأنه غير ذي موضوع بالنسبة له.. ونحن حينما نفزع من الموت.. نفزع على هذا الـ أنا المطلق .. على هذا الإحساس العزيز الحميم الذي يربطنا بالواقع وبنفسنا .. ولا موجب للفزع.. لأن هذا المطلق في منطقة أبدية لا موت فيها.. ولا تغير .. ولا تبدل .
إن الذي يموت فينا.. هو ما يموت كل يوم.. ويتغير كل يوم .. أجسامنا.. نفوسنا.. شخصيتنا.. كل هذا يموت.
لأنه يموت بالفعل .. يموت بالحياة.. ويتغير.. ويتبدل.
أما الروح.. أما الـ أنا المطلق.. فهو حي أبدا.
نحن مفتوحون من الداخل على هذا الواحد المطلق..اللاشخصي..اللامكاني..اللازماني..
وبالنسبة لهذا الـ أنا المطلق..لا معنى للموت أو الفناء أو التغير..أو التبدل..
إنه كنز لا نهائي.وثروة مطلقة..تصدر عنها أفعالنا وأشخاصنا وحياتنا..ثم نموت..ونشبع موتاً..ويبقى هو في عالم الروح الذي انبعث منه.
ولأننا مفتوحون من الداخل على هذا المنطلق..يداخلنا الوهم بأننا نحن أيضاً لن نموت..
* * *
وهذا هو الالتباس الحقيقي الذي نقع فيه بسبب حياتنا المزدوجة..وطبيعتنا المزدوجة من جسد وروح.
إننا كنبضات منفعلة يخيل لنا أن لنا كياناً حقيقياً مستقلاً عن القلب الدائم.
إن صدورنا من الروح الخالدة وانتماءنا لها بحكم الوصل يوقعنا في هذا الوهم..ولكننا فانون..ونحن في حالة فناء متصل حتى ونحن على قيد الحياة..وخيط الكينونة الذي يربط لحظاتنا ويمسك بتحركاتنا المفككة في المكان..هذه الوحدة المتجانسة التي تسري فينا وتمسك بوجودنا غير المتجانس ليست من عالم الزمان ولا من عالم المكان.. وليست من العالم المشخص المتعين..وليست منا بقدر ما نحن منها.
وهي وحدة ليست بذاتها معينة..وإنما هي سياق مطلق غير متعين..سياق يضم كل المواقف التي نقفها في حياتنا يضمها فيما يشبه الـ أنا المطلق الذي هو روح كل منا والذي هو شرارة من الروح الإلهية العظمى التي هي ينبوع الخلق والتي صدر عنها الكل وإليها يعود.
ولهذا نرى أن كل أشكال الوجود تمت إلى بعضها بصلة القرابة..هناك صلة رحم تجمعها جميعاً في خامة مبدئية واحدة.
وعملية التبادل التي تحدث بين صنوف الموجودات في كل لحظة تكشف عن هذه الصلة العائلية بينها..النباتات تأخذ من الأرض أملاح الفوسفات و النترات وتأخذ من الهواء مركبات الكربون وبخار الماء..ثم تحول هذه المواد المعدنية الميتة إلى أنسجة حية خضراء مثل أنسجتها.
والحيوان يأكل أنسجة النبات ويحولها إلى لحم ودم وعظم وعضلات ثم هو في النهاية يموت ويتعفن ويتحول إلى تراب وأملاح معدنية ترتد للأرض الأم.
هذه الحلقة الدائرة تكشف عن الخامة المشتركة التي تخلقت منها كل هذه الأشكال المتعددة.
وبالرغم من الخلاف الهائل في المرتبة الحيوانية بين النمر المتوحش المفترس وبين الإنسان الرقيق الوديع العاقل..فإن النظرة التي يتبادلها الاثنان في حلقة السيرك..نظرة مروض الوحوش إلى الوحوش وهي راكعة عند قدميه..تكشف عن ذلك الشيء المشترك الذي يجمع الاثنين في رابطة خفية من الود والتعاطف.
بالرغم من كل الوحشية التي في النمر..وكل الوداعة التي في الإنسان..يلتقي الإنسان في لحظة تعاطف وحنان..وكأنهما تعارفا منذ الأزل..حيث الخالق واحد ومادة الخلق واحدة.
وهكذا من خلف كل العيون يطل علينا جلال الخالق أقرب إلينا من حبل الوريد.
الواحد الصحيح مختف وراء التعدد..والشبه الأصيل مختلف وراء الاختلاف..و الارتباط الحميم مختف وراء التفكيك الظاهر.
والوجود كله أنشودة طويلة من ملايين الكلمات تفصح عن روح إلهية خالدة..وعن معناها اللانهائي..وثرائها الممتلئ أبدا بالإمكانيات.
والموت معناه أن الخالق يقول لنا:
وعندي المزيد..وعندي إمكانيات أخرى لا تنفذ..انظروا..ها كم شيئا آخر تماما..ها كم مفاجأة أخرى..ها كم مولد طفل جديد.

هذا مقال : س ,,من كتاب : لغز الموت
للدكتور مصطفى محمود رحمه الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *